عبد الوهاب الشعراني
204
البحر المورود في المواثيق والعهود
معهم كيف قامت دونهم الموانع في وصولهم إلى أرزاقهم وكيف استولت الظلمة على الأوقاف وعطلت خراج الرزق المرصودة على شعائر الدين وأسبلة البهائم وغيرها وأخذت الأمور كلها في الطي بعد النشر وقد وقف الأوائل أوقافا لمن ينكسر منه صحن أو زبديه من الجواري أو الصغار وأوقافا لمن يسرق منه نعل أو قبقاب في الجامع وأوقافا على زيت الفقراء وصابونهم ونعلهم وطحينهم وخبيزهم وحكيمهم ومزينهم وغير ذلك ، فباللّه عليك تقدر الآن على أحد أن يعمل أمثال ذلك من أهل مصر كلها وأقل الموانع عن فعل الخيرات أن من أحسنت اليه طول عمرك لا يحمل منك الآن كلمة جفاء بل يصير يمزق عرضك في الآفاق ولا يتذكر قط حسنة ولا لقمة فإذا عرضوا عليك بعد ذلك شخصا لتحسن إليه كالأول لا تجد عندك داعية لما قاسيت من الأول . وفي الحديث « إن اللّه يحول نعمه حين تكفر » فكيف بالعبيد مع ضيقهم وضعفهم . إذا علمت ذلك فيحتاج الانسان في هذا الزمان إلى قلة الحياء في مواطن كثيرة ويكون ذلك أرجح وأصلح من الحياء والحشمة . وقد كان الامام الشافعي رضى اللّه عنه يقول : يحتاج من كثر حياؤه أن يجعل له سفيها يسافه عنه فإذا كان هذا في زمانه رضى اللّه عنه فكيف بهذا الزمان الذي صار أطفاله لا يوقرون كبيرا ولا كهوله يرحمون فقيرا ولا ولاته يعتقدون صالحا ولا ظلمته يقول لهم مظلوم انا من جهة اللّه عز وجل أو من جهة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيوقرونه أو يكرمونه وإذا ارتفعت الرحمة من الخلق تقطع البلاء ونزل